عيد شهيد

سارة فتاة أكملت سنّ الثامنة مؤخراً, سارة – ذات الوجه الناصع الذي ملأه الغبار, والإبتسامة التي تقهر الألم – استيقظت على صوت صاروخ من نوع فاخر, ذي رائحة مميزة تدمي الأعين؛ ليهنئها بقدوم عيد الفطر (السعيد). تقوم على منظر أمّها التي ألقت حتفها فجر اليوم الماضي, وتتمسك بيد أخيها أحمد ذو السنتين ونصف السنة, الذي بقيَ بجانب أمّه ولم يكد يفارقها. تحاول أن تهدّئ من روعه, وتكتم له أنفاسه عن تلك الرائحة الخانقة. تقوده إلى بقايا خزانتهم؛ لينشغلوا باختيار أفضل قطعة ملابس لم يتم تمزيقها أو حرقها كلياً. يجهزّون أنفسهم ويتطيّبون برائحة الشهادة, يترقبّون أباهم الذي ذهب لإحضار بعض الفطور ولم يعد منذ ذلك الوقت.

تضع سارة قلماً في يد أخيها وتغمسه في الدم, وتجرّ يده على الورق: “فاء فوق الكل إحنا, لام لازم ننسى الخوف, سين ستنّى النصر من الله, طاء طلعة الشمس علينا بتسوى, ياء يا خيّي لا تزعل, نون نور وطنّا برشدنا..”

يعلّقان إنجازهما الصغير على شبه الحائط المجاور ويذهبان للّعب على ركام الحجارة, “هنا كانت غرفتنا وهنا إمّي كانت تيجي تطمّن علينا” تحادث سارة أحمد, “بس لمّا بابا يجي ويبني البيت هحكيله يكبّر غرفتنا عشان توسع أحلامنا الجديدة”. يتلعثم أحمد محاولاً إخراج موافقته لها مع تعديل بسيط بعمل غرفة سريّة لا يراها أحد؛ يخبّئ بها صوره وألعابه التي حُرقت سابقاً, يعلّق عليها أحلامه المؤجّلة, يدرّب نفسه فيها على حمل البندقيّة!

“هي بابا إجا” تصرخ سارة وهي لا تكاد تصدّق نفسها من الفرح, يلمحان كلاهما رجل من بعيد ذا وجه مصفر وقامة منحنية وشعر أشعث يملؤه الركام. يقترب منهما فيوطئ كلاهما رأسه بخيبة مندسّة لم يحسبا لها حساب؛ فقد تبيّن أنه رجل إسعاف جاء ليرشدهما إلى مدارس الوكالة – على اعتبار أنّها مكان سكنهم الجديد -. ها هم يوضّبان بقايا أحلامهم ويتأمّلون ركام بيتهم الصغير. “ستنّى” تقولها سارة بحدّة “نسيت شغلة”. وتذهب لتأخذ ورقتها الصغيرة وتزرع قبلة أو اثنتين على جبين أمّها وتعدها أنّها ستحسن التصرّف في بيتهم الجديد, وستقوم بجميع أعمال المنزل – أو المدرسة -. تنظر نظرة أخيرة على حيّ طفولتها المدمّر؛ لتستلهم منه أملاً معدوم وإصرار على العيش والإستمرار, وتبحث جاهدة على أطراف أبيها مع ملعقتا خيبة يعلوان السطح..

ها هم في بيتهم الجديد, تستقبل سارة بعضاً من صديقاتها وتعرّفهم على أحمد (أملهم الجاي) وتبارك لهم بقدوم عيدهم المنتظر. يواسون بعضهم بقصصهم الأخيرة مع أهلهم وأحبّتهم؛ ويستشهدون بجمل أخيرة يتذكّرونها؛ ليستوحوا منها الأمل والصمود.

دامت غزة مقبرة الخوف وميلاد الأفراح؛ عيد شهيد 🙂

 

10464013_545131532258786_1693174708202061198_n

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s